مع تسارع المنافسة العالمية الشديدة لإتقان تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم تقف تونس مكتوفة الأيدي.
منذ بضع سنوات، يعمل البلد على تضاعف المبادرات واتخاذ الخطوات المناسبة لإعداد بيئة داعمة لهذا التحول التكنولوجي الكبير، بهدف التواجد في قلب هذا “المنعطف التاريخي”، كما يصفه رئيس الجمهورية.
بات الذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في السياسات الاقتصادية والصناعية للعديد من الدول، إذ يشكل قطيعة تكنولوجية غير مسبوقة.
في حين تنفق الدول المتقدمة مئات المليارات للريادة في هذا الميدان، تواجه الدول الأفريقية والعربية تحديات في مواكبة الإيقاع، مكتفية حتى الآن بالحديث عن الرقمنة أو توسيع الإنترنت فائق السرعة، بينما يركز الآخرون على “السيادة التكنولوجية” والتقدم في الخوارزميات.
ومع ذلك، يتفق الجميع على أن هذا الاتجاه حتمي لاستمرارية الاقتصادات. وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية، خلال قمة “الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل” يوم 2 ديسمبر الماضي، أنه من الضروري “التواجد في موعد هذه التحولات الكبرى”. إنه “منعطف تاريخي” يجب تجاوزه بحكمة.
للحفاظ على موقع في سباق التنمية، ورفع مستوى الإنتاجية، وضمان حوكمة فعالة وشفافة، ينبغي أن يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد شعارات إلى تطبيقات واقعية.
لم تبق تونس بعيدة كلياً عن هذا الطريق. منذ سنوات، يبرز وجود إرادة سياسية قوية لمواجهة هذا الرهان الاستراتيجي، من خلال تهيئة مناخ مشجع نسبياً. يكفي التذكير بتبني قانون “ستارت أب أكت” عام 2018، الذي أحدث دفعة ريادية حقيقية. تكشف أحدث الأرقام عن ظهور أكثر من ألف شركة ناشئة، منها حوالي 200 تعتمد حلولاً مبنية بالكامل على الذكاء الاصطناعي.
بالتوازي، نجح إطلاق برنامج “سمارت تونيزيا” في تعزيز جاذبية البلاد، وتوفير فرص جديدة، وتثبيت صورتها كمنصة تكنولوجية مفضلة إقليمياً.
استراتيجية شاملة رغم هذه الإنجازات، يرى بعض الخبراء أن الوتيرة لا تزال بطيئة نسبياً، وغير قادرة على مواكبة التطورات الدولية المتسارعة.
لذا، يتعين إعادة تقييم الأمر سريعاً، عبر إطلاق استراتيجية مدروسة وشاملة تساعد تونس على إدارة هذه الثورة بكفاءة، وضمان سيادتها الرقمية خطوة بخطوة.
لقيادة هذه الاستراتيجية بنجاح، يلزم تكوين كفاءات بشرية عالية التأهيل، وزيادة الاستثمارات في البحث والابتكار.
مع ذلك، يجب التعامل مع هذا التوجه بحذر واعتدال، إذ ينبه المتخصصون إلى مخاطر الإفراط، مثل انتشار التضليل، والتلاعب، والاعتماد المفرط، وفقدان الوظائف، بالإضافة إلى خطر التبعية الاجتماعية والاقتصادية.