Table of Contents
باتت مسألة تعلق الصغار المفرط بالأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف الذكية، الحواسيب، الأجهزة اللوحية، والتلفاز، من أهم التحديات التي تجابه الأسر التونسية في الآونة الأخيرة، وذلك لارتفاع معدل الساعات التي يمضيها الأطفال أمام هذه الوسائط. وينبه الخبراء في مجال الصحة النفسية إلى أن الاستخدام المبالغ فيه لا يقتصر ضرره على التراجع في الأداء المدرسي فحسب، بل يتجاوزه ليضر بالصحة العقلية، والتطور الاجتماعي واللغوي، بالإضافة إلى التأثير السلبي على القدرات المعرفية للطفل.
كيفية رصد علامات الإدمان الإلكتروني
في هذا السياق، تبين يسرى السكوحي، الأخصائية النفسية ورئيسة جمعية علم النفس والصحة، أن البوادر الأولى لهذه المشكلة تتجلى بوضوح في تصرفات الطفل. إذ يلاحظ عليه ارتباط شديد بالهاتف أو الجهاز اللوحي، مع الإلحاح على استخدامه في أوقات غير ملائمة وأماكن غير مخصصة لذلك. كما تظهر عليه علامات الانفعال الشديد والغضب عند محاولة منعه، وهي دلائل قاطعة على انتقال الطفل من مرحلة الاستخدام الطبيعي إلى دائرة الإدمان.
وتشير السكوحي إلى أن هذا الوضع يجر الطفل شيئاً فشيئاً نحو الانطواء الاجتماعي، حيث يتلاشى شغفه باللعب والتواصل مع الأطفال الآخرين، وتضعف مهاراته في تكوين صداقات. يضاف إلى ذلك تدهور مستواه التعليمي بسبب خلل في التركيز والانتباه، وتضرر الوظائف الدماغية التنفيذية.
حظر الشاشات قبل سن الثالثة: خطوة حتمية لنمو سليم
وتؤكد الأخصائية على الأهمية القصوى لمنع الأطفال الذين لم يتجاوزوا عامهم الثالث من استخدام هذه الأجهزة بتاتاً، نظراً لأن هذه المرحلة العمرية تعتبر حجر الأساس لتطور الدماغ واكتساب الملكات الإدراكية واللغوية. وتلفت إلى أن قضاء وقت مبكر أمام الشاشات يتسبب في تأخر النطق، ويشوش على مهارات التركيز، كما يضر بنظام النوم ويعرقل مسار النمو الطبيعي.
وتضيف أن المعضلة تتجاوز مجرد الساعات المقضية أمام الشاشات، لتشمل تحول هذه الأجهزة إلى أداة يعتمد عليها الآباء بشكل مستمر لإسكات الطفل وإلهائه، مما يقلص من مساحة الحوار الأسري ويؤدي إلى تفكك الروابط بين أفراد العائلة بمرور الوقت.
سبل تدخل الآباء للسيطرة على هذه الظاهرة
تعتقد السكوحي أن معالجة هذا الإدمان تنطلق بالأساس من البيئة المنزلية. ويتطلب ذلك إرساء ضوابط صارمة تحدد أوقاتاً معينة لاستخدام التكنولوجيا بناءً على فئة الطفل العمرية، مع التأكيد على حجبها تماماً عن الأطفال دون الثالثة، ومنعها قبل فترات النوم لتجنب أضرارها المباشرة على راحة الصغير.
كما توصي بضرورة التخلي عن عادة استخدام الهاتف كمسكن دائم لنوبات غضب الطفل، واستبدال ذلك بتخصيص وقت ذي قيمة، يتخلله اللعب، قراءة الكتب، وتبادل الأحاديث، ومشاركة الطعام بعيداً عن أي أجهزة إلكترونية. وتحث على توجيه الصغار نحو ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق، مما يعزز مهاراتهم الحركية والاجتماعية. ولا يقل أهمية عن ذلك أن يكون الآباء نموذجاً يُحتذى به في ترشيد استخدام التقنية، فالطفل بطبيعته يميل إلى محاكاة تصرفات والديه.
المحيط الأسري كخط دفاع رئيسي
وتختتم الأخصائية حديثها بالتأكيد على أن وقاية النشء من مخاطر الشاشات هي مهمة تشاركية تنبع من الأسرة أولاً. ويكون ذلك عبر خلق أجواء غنية بالتفاعلات الإيجابية والأنشطة الجماعية، التي تمنح الطفل فرصة لتطوير مهاراته النفسية والاجتماعية والعقلية، بعيداً عن الاعتماد المستمر على الهواتف والشاشات.
