Table of Contents
على الرغم من عودة نسق النمو وتسجيل تباطؤ في معدلات التضخم، إلا أن القراءة المتعمقة لـ “النشرة الاقتصادية” الحديثة الصادرة عن البنك الدولي تكشف عن مشهد معقد للاقتصاد التونسي. تصف الوثيقة الوضع بأنه محتجز في دائرة نمو بطيئة، مع تزايد الاحتياجات التمويلية والاعتماد المفرط على الموارد الداخلية. وتسلط النشرة الضوء على تقلص الخيارات المتاحة أمام صناع القرار في ظل تفاقم الديون، العجز المالي، تمويلات البنك المركزي، العجز الخارجي، وتراجع مستويات الاستثمار.
وإلى جانب هذه التحديات المالية، تبرز عقبة هيكلية كبرى تتمثل في أزمة المياه، والتي تصدرت عنوان التقرير المكون من 46 صفحة والصادر يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 تحت اسم: «تحدي المياه في تونس: من الندرة إلى المرونة». وفي حين خُصص النصف الثاني من التقرير لمعالجة الأزمة المائية، استعرضت الصفحات الأولى واقعاً اقتصادياً يتسم بعودة النمو دون إحداث تغيير جذري في بنية النظام الاقتصادي، مما يجعله عرضة لتقلبات أسعار الواردات واختلالات المالية العامة.
عودة النمو الاقتصادي وسط مؤشرات ضعيفة
شهد الاقتصاد التونسي تسجيل نمو بنسبة 2.7% خلال عام 2025، وبنسبة 2.4% على أساس سنوي في النصف الأول من عام 2026. وقد تباين أداء القطاعات الاقتصادية خلال هذه الفترة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- القطاعات الإيجابية: سجلت الفلاحة نمواً بـ 6.4%، والصناعات الغذائية بـ 8.9%، تليها السياحة بـ 4.4%، ثم الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 2.9%.
- القطاعات المتراجعة: شهد قطاع الطاقة انكماشاً بـ 3.9%، وقطاع النسيج بـ 3.3%، وقطاع البناء بنسبة 1.6%.
ورغم هذا التحسن الطفيف، إلا أنه لا يُمكّن تونس من مجاراة الاقتصادات المشابهة في المنطقة، نظراً لاستمرار عوائق هيكلية مثل ضعف المنافسة، صعوبة النفاذ للتمويل، مشاكل الحوكمة، وضعف إدماج المرأة في سوق الشغل. وتبعاً لذلك، يتوقع البنك الدولي أن يبلغ النمو 2.3% في 2026، ليتراجع إلى متوسط 2.1% خلال عامي 2027 و2028 ما لم تُنفذ إصلاحات عميقة. هذا الاستقرار عند مستوى نمو يقارب 2% يحد من القدرة على خلق الوظائف، تحسين الدخل، وخفض الديون.
الفجوة بين طموحات خطة التنمية وتوقعات النمو
يبرز التناقض جلياً عند مقارنة هذه التوقعات بخطة التنمية الوطنية (2026-2030) التي أقرها البرلمان في يوليو الماضي. فهذه الخطة ترصد ميزانية استثمارية تقدر بـ 101.8 مليار دينار، وتطمح لبلوغ معدل نمو سنوي يبلغ 4.2% بحلول 2030، وهو ما يوضح حجم التحديات المطلوبة لتحقيق هذا الفارق الشاسع. كما أن سوق الشغل لا يزال يعاني الهشاشة، فرغم تراجع نسبة البطالة إلى 14.9% في الربع الثاني، فقد الاقتصاد نحو 58 ألف فرصة عمل، وهو تناقض يُعزى أساساً إلى انكماش القوى العاملة النشطة.
الاعتماد المتصاعد على مصادر التمويل الداخلي
أطلق التقرير تحذيراً شديد اللهجة بشأن تحول آليات تمويل الدولة. فبسبب صعوبة الاقتراض الخارجي، لجأت الدولة للداخل، لتقفز حصة الديون المحلية من إجمالي الدين العام من 29.7% في 2019 إلى 60.8% في 2025. كما تصاعد الاعتماد المباشر على البنك المركزي التونسي، والذي بدأ كإجراء استثنائي بقيمة 2.8 مليار دينار في 2020، ليتكرر بـ 7 مليارات دينار في كل من 2024 و2025، ثم يصل إلى 11 مليار دينار في 2026 (ما يعادل 5.9% من الناتج المحلي). ويحذر البنك الدولي من تداعيات هذا المسار، وتحديداً:
- تأجيج الضغوط التضخمية.
- حرمان القطاع الخاص من السيولة الائتمانية الضرورية للاستثمار وخلق الثروة.
احتياجات تمويلية ضخمة تتجاوز 27 مليار دينار
لن تتلاشى هذه الضغوط في المدى المنظور، حيث تشير التقديرات إلى أن احتياجات الدولة التمويلية ستبلغ 27.3 مليار دينار في 2026، و26.2 مليار دينار في 2027. وسيترافق ذلك مع توسع عجز الميزانية إلى 6% من الناتج المحلي في 2026 مقارنة بـ 5.3% في 2025. أما الدين العام، فسيظل ثقيلاً ومتجاوزاً لعتبة الـ 80%، حيث سيبلغ 84.2% في 2026، و83.1% في 2027، ليصل إلى 81.9% في 2028، مما يطرح تساؤلات حول جدوى استراتيجية تقليص الاقتراض الخارجي.
تباين واضح بين القطاعين الخارجي والمحلي
يقدم التقرير رقماً مفصلياً يبرز وجود “اقتصادين” في تونس:
- القطاع الخارجي (الأوفشور): يحقق فائضاً تجارياً يقارب 10 مليارات دينار (5.4% من الناتج المحلي)، مستفيداً من مرونة إدارية، سهولة في حركة الأموال والوصول للمواد الأولية.
- الاقتصاد المحلي: يسجل عجزاً ضخماً يبلغ 22.6 مليار دينار (12.1% من الناتج المحلي). وهذا يعني أن الفائض الخارجي ينجح في تغطية نحو 44% من العجز المحلي، مما يعكس بوضوح الفوارق في مناخ الأعمال بين القطاعين المندمج عالمياً والمحلي المثقل بالقيود.
العجز التجاري وتأثيره على الاقتصاد الكلي
يمثل الميزان التجاري نقطة ضعف إضافية، حيث بلغ العجز 12.7% من الناتج المحلي في 2025 (استحوذت الطاقة على 51% منه). وفي الأشهر السبعة الأولى من 2026، رفعت أسعار النفط فاتورة الطاقة بـ 2.6 مليار دينار، لتمثل 53% من إجمالي العجز التجاري. في موازاة ذلك، تأثرت احتياطيات العملة الصعبة بسبب غياب إصدار السندات السيادية منذ 2019. وقد أدى سداد 700 مليون يورو في 14 يوليو الماضي إلى هبوط الاحتياطي بـ 2.47 مليار دينار في يوم واحد، ليتراجع التغطية من 101 إلى 92 يوماً (قبل أن تتعافى إلى 97 يوماً بحلول 22 سبتمبر 2026). وعلى مستوى الأسعار، توقف مسار التحسن؛ إذ ارتفع التضخم العام مجدداً إلى 5.1% في يوليو 2026، في حين قفز تضخم المواد الغذائية إلى 6.6%. وتزامن ذلك مع نمو الكتلة النقدية (M3) بنسبة 10% إثر إصلاح نظام الشيكات.
ضغط ضريبي مرتفع مقابل تراجع الاستثمارات العامة
سجلت الإيرادات الجبائية 26.1% من الناتج المحلي في 2025، وهو معدل يتجاوز بكثير متوسط الدول المشابهة (18%). وتعتمد هذه الإيرادات بشكل أساسي على الضرائب غير المباشرة (14.8%)، حيث تشكل الأداءات على القيمة المضافة 46% منها. بينما تسجل الضرائب المباشرة 11.3%. ورغم هذه الجباية الكثيفة التي تثقل الاستهلاك ودخل الأفراد، تراجعت نفقات الاستثمار العمومي من 3.6% في 2024 إلى 3.3% في 2025، إذ يتم توجيه أغلب المداخيل لتغطية النفقات الجارية وخدمة الدين، مما يحرم البلاد من البنى التحتية الدافعة للنمو.
أزمة المياه: قيد هيكلي يهدد الاقتصاد
خصص البنك الدولي نصف تقريره لأزمة الشح المائي المهددة للمنظومة الاقتصادية بأكملها. فقد تراجعت حصة الفرد من المياه المتجددة إلى 380 متراً مكعباً سنوياً (دون عتبة الشح المطلق المحددة بـ 500 متر مكعب)، مع تسجيل جفاف في 8 من أصل 10 سنوات الماضية. ورغم التحسن الظرفي بفضل أمطار موسم 2025-2026، يحذر التقرير من أن التكلفة الاقتصادية للتقاعس ستكون باهظة، إذ قد يخسر الاقتصاد التونسي 6.4% من ناتجه المحلي بحلول 2050، مع تضرر مباشر لقطاعات الفلاحة، السياحة، والصناعة، لتتحول أزمة المياه إلى معضلة اقتصادية حادة.
خلاصة: تحديات مضاعفة بين التوقعات والأهداف
في المحصلة، يبرز تباعد شاسع بين مسارين: مسار تستهدفه خطة التنمية الحكومية بنمو قدره 4.2% بحلول 2030، ومسار يتوقعه البنك الدولي بنمو لا يتجاوز 2.1% للفترة 2027-2028، ما لم تتم معالجة المعوقات الهيكلية العميقة بدءاً من صعوبة التمويل والعجز المالي الخارجي وصولاً إلى ندرة المياه التي تضاعف من حجم التحديات المطروحة.
